about 2

من الروتين إلى الطريق المفتوح​

 

نشأت في بيئة مستقرة ومحترمة، وكان أمامي المسار الذي يسلكه معظم الناس: العمل، والاستقرار، وبناء حياة هادئة ومتوقعة. لم يكن في ذلك شيء خاطئ، لكن مع مرور السنوات بدأت أشعر أن شيئًا ما ينقصني.

عندما بلغت الثلاثين من عمري تقريبًا، بدأت أبحث عن تغيير حقيقي في حياتي. لم أكن أعرف ما الذي أبحث عنه بالضبط، لكنني كنت متأكدًا أنني أريد أن أعيش تجربة مختلفة، تجربة تجعلني أشعر بالحياة من جديد.

وفي أحد الأيام شاهدت فيلمًا عن الدراجات الهوائية، فأعاد إليّ ذكريات الطفولة. تذكرت حبي للدراجة عندما كنت صغيرًا، وتساءلت: متى توقفت عن ركوبها؟ ولماذا ابتعدت عنها؟

قررت شراء دراجة هوائية، وبدأت بتجميعها بنفسي في المنزل. ومع كل قطعة أقوم بتركيبها، كنت أشعر أن شغفًا قديمًا يعود إلى الحياة من جديد.

وعندما خرجت إلى الشارع لأول مرة، اكتشفت أن ركوب الدراجات لم يكن شائعًا بين البالغين في ذلك الوقت. لذلك بدأت أبحث عن أشخاص يشاركونني نفس الشغف. ومع مرور الوقت التقيت بأصدقاء أصبحوا جزءًا من هذه الرحلة، ومن هنا بدأت فكرة تأسيس مجتمع يجمع محبي الدراجات ويدعمهم ويشجعهم.

في عام 2012 كانت ثقافة ركوب الدراجات الهوائية لا تزال محدودة في المنطقة، لذلك أسسنا «دراجتي» لتكون نقطة تجمع لكل من يشاركنا هذا الشغف، ليس فقط داخل المملكة العربية السعودية، بل على مستوى الخليج والعالم العربي.

ومع ازدياد حبي للدراجات، قررت اختبار نفسي في أول رحلة حقيقية لمسافة تقارب 300 كيلومتر. كانت تجربة بسيطة مقارنة بما سيأتي لاحقًا، لكنها كانت كافية لأدرك أنني وجدت الشيء الذي كنت أبحث عنه منذ سنوات.

بعد ذلك اخترت اليابان لتكون أول وجهة أسافر إليها بالدراجة الهوائية. لم يكن الاختيار عشوائيًا، فقد كنت معجبًا بثقافتها وطبيعة الحياة فيها منذ سنوات طويلة. وهناك عشت أول تجربة حقيقية للترحال والتخييم والسفر المستقل.

وقبل السفر أخبرت والدتي عن خطتي، ففاجأتني بردة فعل لم أنسها حتى اليوم. قالت لي:

“يا ولدي، عندي لك نصيحتان. حافظ على صلاتك في وقتها، وأقِم الأذان في تلك الأرض، فالمسلمون فيها قليل، ولعل الأرض تشهد لك يوم القيامة.”

كانت كلمات بسيطة، لكنها حملت معاني كبيرة. لم تتحدث عن المخاطر أو المسافات أو الصعوبات، بل ذكّرتني بما هو أهم من الرحلة نفسها.

ذلك الدعم والثقة التي منحتني إياها والدتي كانا كفيلين بأن يدفعاني إلى أبعد مما كنت أتخيل. وحتى اليوم ما زلت أتذكر تلك الكلمات كلما وقفت في مكان جديد من هذا العالم.

في اليابان اكتشفت أن متعة الرحلة لا تكمن في الوصول إلى الوجهة، بل في الطريق نفسه. وبين المدن والقرى، وأيام التخييم، والتعرف على الناس والثقافات المختلفة، بدأ حلم أكبر يتشكل في ذهني.

في البداية كنت أبحث عن تجربة مختلفة فقط، لكن تلك التجربة تحولت إلى هدف أكبر بكثير.

لم أعد أفكر في زيارة دولة واحدة أو خوض مغامرة قصيرة.

أصبح هدفي أن أطوف العالم.

ومنذ ذلك القرار تغيّرت حياتي بالكامل.

بدأت رحلتي الأولى حول العالم بالدراجة الهوائية، ثم تبعتها رحلة ثانية حول العالم بالدراجة النارية، ثم رحلة ثالثة بالسيارة عبر القارات.

the world journey colored


واليوم، وبعد السفر عبر ست قارات وقطع أكثر من 220,000 كيلومتر، ما زلت أؤمن أن أجمل جزء من الرحلة لم يأتِ بعد.
ما زالت الرحلة مستمرة…