the bicycle trip

الرحلة الأولى: حول العالم بالدراجة الهوائية

ي October 2013 بدأت رحلتي الأولى حول العالم بالدراجة الهوائية، لأصبح أول سعودي ينطلق في رحلة حول العالم بالدراجة بهذا الحجم والطموح. بالنسبة للكثيرين بدت الفكرة مستحيلة، لكن بالنسبة لي كانت بداية فصل جديد من حياتي.

على مدى أربع سنوات ونصف، عبرت 38 دولة وقطعت أكثر من 30,000 كيلومتر. لم تكن الرحلة مجرد تحدٍ رياضي أو وسيلة للسفر، بل كانت تجربة غيّرت نظرتي إلى العالم وإلى نفسي، وفتحت أمامي أبوابًا لم أكن أتخيل وجودها.

عندما بدأت الرحلة، كنت أعتقد أن أكبر التحديات ستكون في المسافات الطويلة أو صعوبة الطرق، لكنني اكتشفت مع الوقت أن التحدي الحقيقي كان في التكيف مع الحياة اليومية على الطريق. فكل يوم كان يحمل معه مجهولًا جديدًا، وكل دولة كانت تفرض عليّ أن أتعلم شيئًا مختلفًا.

مع مرور الأشهر والسنوات، بدأت أكتشف أن الترحال الحقيقي لا يشبه الصور الجميلة التي يراها الناس. كان عالمًا مليئًا بالمجهول، والتحديات اليومية، والقرارات الصغيرة التي قد تصنع فرقًا كبيرًا في نهاية اليوم.

تعلمت بسرعة أن كل كيلوغرام إضافي أحمله على الدراجة سيصبح عبئًا عليّ في الجبال والرياح والمسافات الطويلة. وتعلمت أن اختيار الخيمة المناسبة وكيس النوم المناسب ليس رفاهية، بل قد يكون الفرق بين ليلة مريحة وليلة طويلة من البرد والمعاناة.

في بعض الدول كنت أصل في ذروة الشتاء، وأقضي الليل أرتجف من شدة البرد داخل الخيمة، أستيقظ أكثر من مرة محاولًا استعادة الدفء حتى طلوع الشمس. وفي أماكن أخرى كنت أستمع لساعات إلى صوت المطر وهو يضرب سقف الخيمة، بينما أكتشف أن الخيمة التي ظننتها مناسبة ليست بالقوة التي كنت أعتقدها.

وكثيرًا ما كانت أعطال الدراجة جزءًا من الرحلة. في البداية كنت أراها مشكلة تعطل تقدمي، لكنني مع الوقت أدركت أنها كانت واحدة من أجمل الهدايا التي منحني إياها الطريق. فبسبب تلك الأعطال تعرفت على أشخاص لم أكن لألتقيهم أبدًا، ودخلت مدنًا لم أكن أخطط للتوقف فيها، وعشت مواقف إنسانية لا تزال حاضرة في ذاكرتي حتى اليوم.

وعندما يقترب المساء، كان التحدي اليومي يبدأ من جديد: أين سأنام الليلة؟

أحيانًا كنت أجد مكانًا مناسبًا للتخييم، وأحيانًا أخرى كنت أنام في مبانٍ مهجورة أو غرف بسيطة وفرها لي أشخاص التقيتهم أثناء الرحلة. وفي إحدى الليالي نصبت خيمتي في مكان ظننته هادئًا وآمنًا، لأكتشف مع شروق الشمس أنني قضيت الليل داخل مقبرة دون أن أعلم.

وفي مرات أخرى كنت أصل إلى أقسام الشرطة في القرى والمدن الصغيرة طالبًا مكانًا آمنًا للنوم، فأجد ترحيبًا ومساعدة لم أكن أتوقعها.

أما أصعب اللحظات فكانت في الطرق النائية الطويلة، عندما تمتد مئات الكيلومترات دون قرية أو متجر أو أي مظاهر للحياة. هناك كنت أتعلم معنى الاعتماد الكامل على النفس، وأدرك قيمة كل لتر ماء وكل قطعة طعام أحملها معي. ففي بعض الأيام كنت أكتشف أن الطريق أطول مما توقعت، وأن كمية الماء التي معي أقل مما أحتاج، فلا يبقى أمامي سوى الاستمرار حتى أصل إلى أقرب مكان مأهول.

لكن رغم كل تلك الصعوبات، كانت الرحلة مليئة باللحظات التي لا تُنسى. فقد فتحت لي أبواب بيوت لم أكن أعرف أصحابها قبل ساعات قليلة، وجلست مع عائلات من ثقافات مختلفة، وتقاسمت الطعام والقصص مع أشخاص لا يجمعني بهم أي شيء سوى الطريق. وفي كل مرة كنت أعتقد أنني أتعلم شيئًا عن العالم، كنت في الحقيقة أتعلم شيئًا جديدًا عن نفسي.

وخلال تلك السنوات تعلمت أن العالم ليس مجرد دول وحدود وخطوط على الخرائط، بل هو قصص وأشخاص وتجارب ومواقف لا يمكن التنبؤ بها. تعلمت الصبر والبساطة والتكيف مع الظروف المختلفة، واكتشفت أن أجمل الذكريات غالبًا لا تأتي من الأماكن التي خططت لزيارتها، بل من المواقف التي لم تكن تتوقع حدوثها أصلًا.

the bicycle map

30,000 كيلومتر، بل كانت رحلة شكلت شخصيتي وغيرت نظرتي إلى الحياة. فقد أدركت أن الترحال الحقيقي لا يتعلق بالوصول إلى الوجهة، بل بما يغيره الطريق في داخلك أثناء الرحلة.

كما كانت هذه الرحلة نقطة انطلاق لشيء أكبر من السفر نفسه. فقد ساهمت خلال تلك المرحلة مع مجموعة من الأصدقاء في تأسيس «دراجتي»، التي أصبحت لاحقًا واحدة من أبرز المبادرات الداعمة لثقافة ركوب الدراجات في المملكة العربية السعودية، وساهمت في تشجيع الكثيرين على خوض تجاربهم الخاصة واكتشاف متعة التنقل على عجلتين.

لقد بدأت الرحلة بدراجة هوائية، لكنها انتهت بتغيير كامل في طريقة رؤيتي للعالم والحياة. وما بدا في البداية مجرد مغامرة شخصية، تحول مع مرور السنوات إلى أسلوب حياة لا يزال يقودني حتى اليوم.

ما زالت الرحلة مستمرة…

كانت هذه الرحلة بداية الطريق فقط. فمن بعدها انطلقت في رحلة حول العالم بالدراجة النارية، ثم رحلة أخرى بالسيارة عبر القارات. وما زلت حتى اليوم أواصل استكشاف العالم وتوثيق قصصه، مؤمنًا بأن أجمل المغامرات ما زالت تنتظرني على الطريق.